ARK NETWORK reference.ch · populus.ch    
 

  مقالات الشيخ رشيد بن عبد السلام نافع الصنهاجي المغربي  

 Home  

 

 

Rubriques

Liens


مقالات الشيخ رشيد نافع حفظه الله

 
 
 
23/08/2017 
 
 
يا خير أمة لا تقبري الأمل 
 
للشيخ الدكتور رشيد بن عبد السلام نافع حفظه الله 
 
 
 
لقد مرت محن و مصائب على المسلمين في الماضي أيام التتار و الصلبيين و غيرهم فكان أجدادنا يواجهون الصعاب و الشدائد بكل إصرار و صمود و ثبات و تضحية و ذلك بما أُودع فيهم من عقيدة قوية و إيمان راسخ و عمل صالح ، كما ابتليت أمتنا الإسلامية و لا تزال بنكبات و هزائم متوالية في القرن الماضي و في بداية هذا القرن غير أن ذلك يجب أن لايفقدنا الثقة بالله عزوجل خالق الكون و الإنسان و الحياة ، و إن النكبات و النكسات التي تنتاب الأمة الواعية لا تضعف من قوتها و لا تفقدها الثقة بنفسها و لا تيأس و لا تقنط بل أن ذلك يحفزها للرجوع إلى الله عزوجل قولا و عملا و أخذا بالأسباب . 
 
الأمل هو حادي العمل و عندما يفقد الإنسان الأمل بالكلية يكون أمام نكسة نفسية يصعب أن يتعافى منها . 
 
أعلل النفس بالآمال أرقبها  
 
ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل  
 
 
 
و لهذا كان أخطر ما تواجهه الأمة هو اليأس الذي يقعدها عن العمل و الإنتاج و ينحرف بمسيرتها عن الصراط المستقيم إلى مفترقات السبل و الأهواء و المضلات و الضياع. 
 
في تعاقب الشدة و الرخاء و العسر و اليسر كشف لمعادن النفوس و طبائع القلوب ما بين غبش و صفاء و هلع و صبر و ثقة و قنوط في تقلبات و تنوع الأحداث يتمحص المؤمنون و ينكشف الزائفون و تتجلى دخائل النفوس و مكنونات الصدور ، و من درى حكمة الله في تصريف الأمور و جريان الأقدار ، لن يجد اليأس إلى قلبه سبيلا ، مهما أظلمت المسالك و قست الحوادث و توالت الـعقبات و تكاثرت النكبات فالإنسان إلى ربه راجع و المؤمن بإيمانه مستمسك و بأقدار الله مسلم و على سننه جار و إن شر ما منيت به النفوس يأس يميت القلوب و قنوط تظلم به الدنيا و تتحطم معه الآمال ، فاليأس قرين الكفر و القنوط بريد الضلال {‏ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ‏ }‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 87‏.‏‏] {‏وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 56‏.‏‏] ولقد علم أولوا الأبصار و الألباب أن الهموم و المحن لا يقصرها شدة الجزع و لا يزيد في طولها قوة الصبر و الجلد . 
 
إن الوقائع و مداولة الأيام محك لا يخطئ و ميزان لا يظلم و في تقلب الدهر عجائب و في تغير الأحوال مواعظ ، القوي لا يستمر أبد الدهر قويا ، و الضعيف لا يبقى طول الحياة ضعيفا و لكنها سنة الله أدوار و أطوار، تجري على الأمم و الشعوب و تمر بالأفراد و الجماعات و تنتظم المتقين و الفجار و أهل السوء و الأخيار ، فهذا آدم عليه السلام تسجد له الملائكة ثم بعد برهة يخرج من الجنة و إبراهيم عليه السلام أراد به قومه كيدا فكانوا هم الأسفلين و أضرموا نارا لحرقه فكانت بردا و سلاما على إبراهيم ، و هذا الذبيح يضطجع مستسلما ثم يأتيه من عند ربه الفداء و يبقى له الفضل و الثناء، و يعقوب عليه السلام يذهب بصره من ألم الفراق ثم يعود التواصل و التلاق و النظر، و نبينا محمد صلى الله عليه و سلم يتقلب في عجائب المد و الجزر ،و الرجاء و الأمل إلى ان يجئ نصر الله و الفتح و يدخل الناس في دين الله أفواجا، هذا ما كان من أنبياء الله و أوليائه و المصطفين من عباده فما بالك بمن هو دونهم من سائر أهل الأرض . 
 
إن من تأمل صروف الدنيا و رياح التغيير و أمواج التقلبات لا يفجع عند نزول البلاء و لا يفرح بعاجل الرخاء ، و ما يكون في الأفراد يكون في الأمم، فكم من أمة ضعيفة نهضت بعد قعود و تحركت بعد خمود فكم من قرية بطرت معيشتها فزالت بعد وجود ، أذاقها الله لباس الجوع و الخوف لما بدلت الشكر بالكفر و الجحود، و حين يريد ربنا أمرا فإنه يأتي إليه كما يشاء فهو العليم القدير، السبب و النتيجة من صنعه ،و الوسيلة و الغاية من خلقه ،و تدبيره لا يمتنع عليه سبب و لن تعجزه غاية يتحصن المتحصنون فيأتيهم الله من حيث لا يحتسبون و قديما خاطب الله نبيه محمد صلى الله عليه و سلم و المؤمنين ، و خالفت على ما يبدو ظواهر الأسباب و مظاهر السنن {‏ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ ‏ }‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 2‏.‏‏] لم تكونوا تتوقعون خروجهم فقد كانوا من القوة و المنعة في حصونهم بحيث لا تظنون خروجهم و غرتهم المنعة فنسوا قوة الله التي لا تردها حصون {‏ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ‏ }‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 2‏.‏‏] أتاهم من داخل أنفسهم، من داخل قلوبهم فقذف فيها الرعب، فعلموا أنهم لا يملكون أنفسهم و لا يحكمون قلوبهم في هذا و أمثاله، كم تمر على أهل الحق و الإيمان من أيام حرج و ضيق و ساعات شدة و كرب يواجهون فيها أهل الباطل في إصرارهم و جحودهم، تحيط بهم ظروف الباطل في قوته و كثرة أهله ،و أهل الحق و الإيمان في قلة من العدد و العدة، الباطل ينتفش و يتعاظم و يبطش و يغدر و أهل الحق و الإيمان ينتظرون وعد الحق و يطول بهم الانتظار و تهجس في خواطرهم الهواجس {‏ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ‏ }‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 214‏.‏‏] { حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ }‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 110‏.‏‏] ، تلك سنن الله في الدنيا و أهلها في مدها و جزرها في أهل الكفر و الإيمان في الدعوات و أصحابها، شدائد و كروب و مضايق و خطوب ثم يجيء النصر و الانفراج بعد اليأس من ظاهر الأسباب يجيء النصر من عند الله فينجو من يستحق النجاة و يحل بأس الله بالمجرمين مدمرا ماحقا. 
 
كل هذا البلاء و كل هذا الصـبر و التصبر حتى لا يكـون النصر رخيصا  
 
و حتى لا تكون دعوة الحق هزوا و هزلا، فدعوة الحق لا تكون عبثا و لهوا، و لكنها تسير على قواعد و مناهج يكون فبها البلاء و البأساء، و يتخذ فيها الـشهداء و يمحص فيها المخلصون من الأدعياء فيعجزون عن الحمل و تثقل عليهم التكاليف و يطول عليهم الطريق و من ثم يتبين الحق من الباطل على محك الشدائد فيصمد المخلصون و يتميز الصادقون و لو تباطأ النصر ما تباطأ { وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ }‏ ‏[‏الأنعام ‏:‏ 34‏.‏‏]  
 
إن الذين ينظرون إلى هذه الحياة بنظرات قاتمة هم أولئك الذين إذا نزلت بهم نازلة أو تكدر لهم عيش أو حلت بهم بلوى، يئسوا من الفرج و طال عليهم سوء الأمل، و ظنوا بربهم ظن السوء و لكن أهل الإيمان موصولة قلوبهم ندية أرواحهم لا ييأسون من روح الله يفيئون إلى ظلال الإيمان و يأنسون بصلة الكريم المنان على الرغم مما هم فيه من مضايق الشدة و مخانق الكروب ‏. { الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا }‏ ‏[‏المائدة ‏:‏ 3 ‏‏] فهذه بشارة لأهل الإيمان بحفظ الله لدينه و كماله و رضا رب العالمين عنه و تمام النعمة له، و الكافرون آيسون من أن ينالوا منه شيئا ،غير أنهم قد يغلبون في موقعة أو يهزمون في فترة ولكنهم عاجزون من أن يمسوا هذا الدين، فهو محفوظ لا يناله تحريف، و لا يرقى إليه تبديل و على شدة ما كاد الأعداء و عظم ما أصاب المسلمين من ضعف و بلاء في بعض الأعصار و الأمصار، فلن تزال على الحق طائفة منصورة، تحفظ أمر الله و تنصره و تسعى لإعلاء كلمته، سدد الله الخطى و بارك في الأعمال و حقق الآمال و طرد عنا اليأس و القنوط و الأوهام. 
 
 
 
 
(c) WahdaCo - Créé à l'aide de Populus.
Modifié en dernier lieu le 15.09.2010
- Déjà 1439 visites sur ce site!